لماذا تغيرون خلق الله…السياسي؟(الجزء الأول)

َ

﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[الذاريات: 49]

يبدو أن عجلة التغيير العربية تحركت أخيرا و أن الوهن الذي أصاب هذه الأمة يترنح على حلبة التاريخ أمام شعوب ضاقت ذرعا بصمتها قبل أن تضيق ذرعا بحكامها الذين تبنوا الاستبداد فأفسدوا البلاد و أذلوا العباد. فبالأمس ولدت تونس من رحم أزمة دامت خمسين عاما و اليوم تمر أم الدنيا بمرحلة مخاض عسيرة و العرب في أروقة الزمن يترقبون بقلق و أمل شكل المولود الجديد, و وزن المولود الجديد…و من ستكون الممرضة التي تتلقف المولود…ثم هل سيرضع من ثدي أمه أم أنه – مثل إخوته – سيرضع حليبا مستوردا لا يسمن و لا يغني من جوع.

هذه الانتفاضة الشعبية العربية التي زلزلت الأرض تحت أقدام اثنين من فراعنة العصر – و يرجى أن تدك صروح الدكتاتورية في باقي البلاد العربية – لم ترق بعد إلى مرتبة الثورة كما يروج أكثر العرب تفاؤلا, فالثورة برنامج واضح الملامح و الأهداف و القيادات, و لكن هذه الهزة رغم ذلك كفيلة بوضع أولى الخطوات و اللبنات التي من شأنها أن تهيئ لتغيير الذهنيات التي غلب عليها الركود و الانهزامية و الأنانية المفرطة, و كلها عوامل أدت إلى فقدان الثقة لا بين الشعب و القيادة فحسب بل بين أفراد الشعب الواحد و بين الشعوب و بين القيادات المتنافسة في فنون إذلال هذه الشعوب و الاغتناء من بيوت مالها, المتبارية في فنون الخنوع للغرب من غير ذرة حياء. فما الذي أدى – و الحالة هذه – إلى هذه الهبة الشعبية؟ و كيف يمكن أن تتطور لتصبح ثورة كاملة النمو؟ 

ما الذي أدى إلى هذه الهزة الشعبية؟ 

لم تكن لقمة العيش الشرارة الأولى لانتفاضة الشعب التونسي  كما يحاول الكثيرون أن يصوروا, فمحمد البوعزيزي – رحمه الله –  لم يقدم على ما أقدم عليه بسبب بطالته, و لا بسبب منعه من بيع بضاعته,  لكن عزة نفسه جعلته يأبى أن تتجرأ شرطية على إهانته, محمد اختار أن يبيد على أن يذل أو يهان, و يا ليت الحكام يدركون, بل ليت العالم أجمع يدرك, كم في تونس الخضراء و في البلاد العربية من محمد!…

محمد المصري
محمد المصري
لا يمكن لأي كان أن يزعم أن العرب عاشوا بلا بطولات, أو أنهم لم يرصعوا تاج تاريخهم بأجمل و أغلى الزمردات و الجواهر التي ظل بريقها ينير درب الرقي منذ بعثة محمد”الأول”  – صلى الله عليه و سلم – و حتى وقت غير بعيد..

محمد الجزائري
محمد الجزائري

لا أحد يمكنه أن يدعي أن مدينة القيروان لم تكن القاعدة التي انطلقت منها الفتوحات الإسلامية نحو أعماق إفريقيا و صوب الأندلس, و لا يجرؤ أحد أن ينكر الدور الاستراتيجي لميناء تونس الذي كان القاعدة التي انطلقت منها السفن إلى صقلية و جنوب إيطاليا حاملة راية التوحيد, و لا يمكن للتاريخ ان يطمس حقيقة أن القيروان كانت عاصمة للعلم و الأدب التي مكنت الدولة الصنهاجية من النهوض بالاقتصاد و فن العمارة و العمران أدت بعد سنين إلى ظهور الوعي الذي مهد لانفصال الدولة الصنهاجية عن الدولة الفاطمية الشيعية و عودتها إلى كنف الدولة العباسية السنية…هذا, و في التاريخ ما يدلنا أن الشعب التونسي كان أحد الحصون المنيعة التي كسرت شوكة النورمان و الصليبيين المتحاملين على البلاد الإسلامية, و أنه قهر الإسبان في معركة تونس الخالدة, و أنه رفض طغيان الأتراك العثمانيين, و أنه صبر و صابر و قاوم محاولات الهيمنة الفرنسية حتى أدرك الاستقلال في 20 مارس 1956 بعد 75 عاما مما يسمى – بغير وجه حق- الحماية الفرنسية. إن هذا الشعب الذي صقلت المحن عزيمته لم يثر و لم ينتفض في كل مرة ثار فيها و انتفض إلا لأحد سببين: إذا مست عقيدته أو انتقصت عزته و كرامته… و تلك حال كل من ذاق حلاوة الدين الذي رضيه الله لعباده و هي حال كل من استلذ طعم الحرية المخضبة بدماء أجداده. 

 هي إذا هذه النفوس الأبية التي استبيحت عقيدتها و أهدرت كرامتها و أهينت إنسانيتها..هي النفوس الأبية التي سقت الأرض من دماء أجساد ضاقت بها فاهتزت الأرض.. و ستربو بعد حين.. هذه هي النفوس التي هبت فزلزلت الأرض زلزالها  فاستحقت احترام الأحرار في كل موطئ قدم و أذعرت كل جبان فارتعشت فرائسه و تقزم..(يتبع) 

Advertisements

حول hicmet
I'm alien everywhere I go

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: