أين المساجد؟

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:” إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله و دع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد و هو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله و شريبه و قعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم تلا الآيات 78 إلى 81 من سورة المائدة (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ. كَانُواْ لاَ َتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ. تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ. وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)، ثم قال” كلا، و الله لتأمرن بالمعروف و لتنهون عن المنكر و لتأخذن على يد الظالم و لتأطرنه على الحق أطرا و لتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم” (رواه أبو داود و الترمذي). 

إن هذا الدين الذي ارتضاه الله للعالمين جاء ليخرجنا من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة و من عبادة الأوثان و الأصنام إلى عبادة الله وحده, و ليتمم لنا مكارم الأخلاق التي تتزكى بوجودها الأمم و ترقى, أو تنتكس بفقدانها و تشقى. و إن هذا الدين الذي نحاول اتباعه ما استطعنا -لأننا رضيناه لأنفسنا امتثالا لأمر الله و اقتناعا عقليا بما جاء به – لدين يدعو إلى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بل و تغييره باليد أو باللسان أو بالقلب. و إن هذا الدين الذي ملك قلوبنا فلم يعد لأحد غير الله سلطان عليها لهو الدين الذي يأبى الظلم و ينذر الظالمين بعذاب أليم و جحيم, و يدعو إلى العدل و الإحسان و يبشر المؤمنين العاملين المجتهدين بأجر كريم و نعيم.

 لقد رأينا في العقود الأخيرة ظلما في عالمنا العربي لا يشهد العالم ما يضاهيه, و رأينا فسادا و طغيانا في المال و العلم و السلطان, و شهدنا صدودا عن سبيل الله و تشجيعا لجميع أنواع الملهيات و المنكرات و المحرمات و استباحة لحدود الله لا نعلم لها نظيرا. لقد رأينا من أولياء أمرنا و من القائمين – مجازا- على شؤوننا ما جعلنا نظن أن لن تقوم لنا قائمة ما داموا فينا, رأينا منهم ما يغيظنا و لا يغيظ أعداءنا, و ما ينفع  أولئك و يضرنا, و ما يضحكهم و يبكينا  : استبيحت أمصارنا و خيرات منّ الله بها علينا و جعلنا لها وارثين بما بذله أجدادنا و آباؤنا من جهد و بما استرخصوه من مال و دم و نفس و بما قدموه من دروس في التضحية و نكران الذّات, فلا نحن حفظنا الأمانة و لا نحن وقفنا سدا في وجه الجبابرة الذين حالوا بيننا و بين ذاك, ما أسدينا النصح في وقت النصح و ما جهرنا بكلمة الحق حين اشتد البأس و انبسطت يد الظلم تعيث فسادا في أوطاننا و لقد نعلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: “و الذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف و لتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم” ( رواه الترمذي). و انظروا – سادتي- إلى الحال التي نحن عليها اليوم بسبب ما كسبت أيدينا من قلة جراءة -عند العامة و العلماء على حد سواء- على مجابهة الحكام, وانعدام الحلم و الصبر من الحكام على كلمة حق تستيقنها أفئدتهم و تأباها أهواؤهم: فقر و جوع و بطالة و رشوة و محاباة و افتراء و استخفاف بأحلام الرجال و قلة أدب – إلا من رحم ربي- و لا حول و لا قوة إلا بالله. لقد أفرغت الدول العربية من جل ما وعت من خير, أصاب الأمة الإسلامية الوهن و استوطنها الخوف من كل شيء, و تاهت الشعوب بحثا عن مخرج من هذا الوضع السقيم الذي لا يأتمن فيه الأخ أخاه, و لا الجار جاره, و لا الفقير الغني, و لا الغني الفقير, و لا المريض – و لا أهله- الطبيب, و لا الطالب – و لا وليه- الأستاذ, فالكل يخشى انعدام الأمانة لدى الكل, انعدمت الثقة بين الناس و طغت النزعة الفردية المستوردة من الغرب على التكافل الاجتماعي الموصّف في القرآن العظيم و السنة المطهرة على صاحبها أزكى الصلاة و أجمل التسليم. 

في هذا العالم الذي تعصف به الفتن من كل جانب لم يعد للمسلم من أسوار تحميه العواصف الهوجاء إلا أسوار المساجد, فلقد عمت الفوضى حتى شملت صفاء الأذهان فذهبت به بعد أن تمكنت من الزحف على التربية و التعليم و البحث العلمي و الإعلام, أصبحت معالمنا سرابا تتراءا لنا في الأفق فنقصدها و لا نبلغها, و نطلبها حثيثا و لا نلحقها. ضاقت علينا الدنيا بتعتيم أنهك كاهلنا فخارت قوانا – أو بعضها- بحثا عن  خروج من متاهات لا نعلم أصلا إن كان لها مخرج. لهذا أصبحنا ننتظر الجمعة بعد الجمعة علنا نسمع من خطبائنا ما ينير دربنا و يسدد رمينا و يزيل الحيرة و التيه عنا و يوضح معالمنا و يصحح أخطاءنا و يصوب أفكارنا و يرسي سفن جهودنا على يابسة الهدى. و للأمانة أقول إننا كنا نسمع من بعض أئمة مساجدنا ما يثلج صدورنا و ما يفتح الله به أبواب الفهم لنا و ما يسقي بذور الأمل في نفوسنا, بل أصبحنا نعرف خطب بعضهم حتى لو ألقاها على مسامعنا غيرهم, لما فيها من جرأة و ذكاء في الطرح, و قوة في اللغة و المبنى, و عمق في المعنى. و عملا بقوله جل و علا: ” و تواصوا بالحق” أقول بحزن إننا لم نعد نرى مما ألفنا الكثير, أصبحنا نرى ارتباكا على  المنبر لم نعهده منهم, و زهدا في الجهر بكلمة الحق لم نتوقعه من أمثالهم, و مواضيع لا تتوافق مع ما ينتظره المصلون و خطبا لا تجيبهم عمّا تصارع في صدورهم من أسئلة و هواجس بين الجمعتين. إن المسلم الذي أسند ظهره إلى المسجد يا سادتي لا يريد أن يرى أسوار المسجد تهوي كما هوت كل الأسوار و لا يريد أن يرى أنواره تخبو كما خبت كل الأنوار, و يحضرني في هذا المقام قول أظنه للشيخ البشير الابراهيمي مغزاه أن المسلم لا يرضى أن يؤمه في الصلاة إلا رجل يؤمه في الحياة, فمن رضي لنفسه أن يقف على المنبر فقد ألزم نفسه أن يكون وريثا للرسول صلى الله عليه و سلم و لكافة الأنبياء و المرسلين فالعلماء ورثة الأنبياء كما قال صلى الله عليه و سلم, و قد قال تعالى في محكم التنزيل: ” يا يحيى خذ الكتاب بقوة “, فالحزم و القدرة على اتخاذ المواقف  التي لا يشوبها لبس و لا تحتمل التآويل خصلتان لا غنى للإمام عنهما. 

سدد الله خطى أئمتنا و يسر سبيلهم إلى الخير و جعلهم هداة مهتدين و رفع بهم الغمة عن هذه الأمة. آمين!

Advertisements

حول hicmet
I'm alien everywhere I go

One Response to أين المساجد؟

  1. haky says:

    ما تقوله صحيج سقع تحت الفتنة أشد من القتل

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: