هل من مكان للتغيير في الجزائر؟(2)

عرفت الجزائر منذ شهر جانفي 1992 إجراءات تعسفية لامدروسة و لامسؤولة و ممارسات إجرامية و لاأخلاقية لم تضع حدا للمسار الديمقراطي فحسب بل إنها مثلت زلزالا هدم أركان الدولة و بقيت ارتداداته تهدّ كل ما تشقق منها. أصبحت البلاد تعيش فوضى طاغية لا يعرف فيها الحاكم من المحكوم و لا يعرف فيها دور لأحد و لا يحتكم فيها لأي سلطة, طغت لغة السلاح و النار و القوة و لفظت القوانين ما تبقى من روحها. بين “الخارجين عن القرآن و السنة” و ” الخارجين عن القانون” (على حد وصف الرجل الثاني في الجبهة الإسلامية للإنقاذ علي بلحاج) تاهت الجزائر و تاه الجزائريون و شلت الحياة السياسية التي كانت حركيتها – إلى وقت قريب – تبعث على الارتياح و كان الشعب الجزائري يحس أن ربيع الديمقراطية قد هلّ على وطنه فراح يضع الأسس لعقد اجتماعي جديد تكون فيه السيادة و السلطة له,  إلا أن البلاد سرعان ما دخلت حضيرة قانون الطواريء و عادت – بتفعيله – إلى دائرة الاستبداد المغلقة التي ينتفي داخلها العقد الاجتماعي و القانون الطبيعي و جميع الأعراف التي من شأنها تنظيم المجتمعات الإنسانية. لقد ألغى طغيان الانقلابيين (الخائفين على الديمقراطية من الإسلاميين) كل نظريات الفكر السياسي المتراكمة منذ سقراط و أفلاطون لمجرد التوجس و الظن ( إن صدقنا رواياتهم حول الأسباب التي أدت بهم إلى توقيف المسار الانتخابي).

انتفاء العقد الاجتماعي: 

نظرية العقد الاجتماعي هي نظرية افتراضية ليس لها أي أساس واقعي سميت بالكذبة السياسية الأكثر نجاحا في التاريخ, مفادها أن المجتمعات الانسانية بالحالة التي توجد عليها اليوم هي نتيجة لعقد أوجد سلطة حاكمة تتولى وضع القوانين و تسهر على مراقبة تطبيقها. أصحاب النظرية و إن اتفقوا على ضرورة وجود السلطة الحاكمة, اختلفوا في الحدود و القيود التي يجب أن تفرض عليها, أتكون السلطة مطلقة أم مقيدة؟ 

“توماس هوبز” الذي يرى أن السلطة يجب أن تكون مطلقة برر وجهة نظره بكون الحياة في “الوضع الطبيعي” حياة فوضوية لا يأتمن فيها أحد أحدا, أما “جون لوك”  فيرى عكس ذلك, فالحياة في “الوضع الطبيعي” بالنسبة له لا تخلو من الأخلاق التي من شأنها أن تحول دون حدوث أي طغيان أو تعسف و بالتالي فإن الخضوع للقوانين مرتبط بمدى خضوع السلطة الحاكمة و القوانين ذاتها للمباديء الأخلاقية التي كانت تحكم الناس في “الوضع الطبيعي”, و بذلك فإن لوك أقر بحق مقاومة الطغيان بدافع الدفاع عن النفس. في حين يرى “جون جاك روسو” أن الحياة المثالية كانت موجودة في “الوضع الطبيعي” قبل أن تجبر الظروف الاقتصادية الناس على التجمع, هنا بدأ الصراع بسبب ظهور قيم جماعية و فردية جديدة أهمها ” الملكية الفردية” التي أنتجت بدورها أخلاقا جديدة تمثلت في البخل  و الجشع و الحسد و المنافسة و حب التملك و غيرها من الأخلاق التي تجعل المساواة و السلم مستحيلين و تجعل اللجوء إلى إبرام عقد يهدف لإنشاء حكومة ضروريا من أجل حماية أصحاب الأملاك و ملكياتهم من القادرين على إيذائهم و اغتصابها, من هذا المنطلق يرى روسو أن الحكومات وجدت باسم المساواة لتكريس اللامساواة و هذا التناقض هو ما يسبب كل التناحر و التآمر الذي لا يخلو منه أي تجمع إنساني.

 و مهما يكن فحتى بوجود عقد اجتماعي بين الحاكم و المحكوم يمكن لهذا الأخير أن يرفض القوانين إذا رآها جائرة على المباديء الأساسية و الدوافع التي كانت سببا مباشرا في وجود هذا العقد ذاته. فإذا أخذنا بنظرية هوبز لرأينا أن العقد وجد لترشيد الممارسات و جعلها أكثر أخلاقية و لو استدعى ذلك استخدام القوة و الاستبداد بالرأي, فإذا فشل العقد في تحقيق هذه المآرب فلا معنى لوجوده أساسا. و إذا أخذنا بنظرية لوك لقلنا إن العقد يصبح لاغيا إذا خالفت القوانين ما تعارف عليه الجمهور من أخلاق راقية. أما إذا تبنينا نظرية روسو فإن العقد يلغى عندما تصبح قدرته على تحقيق المساواة و حماية الملكية الفردية منعدمة. و لكن انتفاء العقد في الحالات الثلاث لا يضمن الرجوع إلى “الوضع الطبيعي” بل يخلق وضعا جديدا يستلزم عقدا جديدا من الأجدر أن تصاغ قوانينه بناء على المشاركة لا على التهميش و الاقصاء.

و بالعودة إلى التغيرات التي عرفتها الجزائر منذ نهاية الثمانينات و بداية التسعينات من القرن الماضي لوجدنا أن العقد الاجتماعي في البلاد انتفى للأسباب الثلاثة مجتمعة و أن العقد الجديد (إن وجد) لا قدرة له على فرض النظام المفقود لأن صياغة قوانين اللعبة السياسية الجديدة بنيت على الاقصاء لا على المشاركة. انتفى العقد الاجتماعي أولا لأن الحكومات المتتالية عجزت عن الاضطلاع بمهمتها في فرض احترام القانون من طرف الجميع, بل إن استبدادها بالرأي أدى إلى بروز أطراف جديدة تعارض سياستها بشراسة ارتقت إلى درجة العنف. ثانيا, انتفى العقد الاجتماعي لأن الأخلاق التي لا يرضى الجزائريون غيرها هي الأخلاق الإسلامية, أما قانون الطواريء و القوانين المستوردة التي استعملتها هذه الحكومات للترقيع و التمييع فهي تناقض ما تعارف عليه الجزائريون من أخلاق جيلا بعد جيل. ثالثا, انتفى العقد الاجتماعي لأن الملكية الفردية – بل و العمومية – استبيحت و انتهكت, كما أن المساواة انتفت كليا و أصبحت الفرص تتاح لأصحاب السلطة و النفوذ و من يدور في فلكهم بينما توصد الأبواب في وجوه البسطاء من الشعب و إن كانوا ذوي كفاءات. بعبارة أخرى, رأى الجزائري أن الانفتاح الساسي لم يكن إلا انفتاحا صوريا و أن الانعطاف الاقتصادي لا يخدم إلا قلة قليلة ممن يملكون السلطة و النفوذ و أن الزمرة الحاكمة الجديدة تهدد المجتمع في صميم أخلاقه و هويته.  

Advertisements

حول hicmet
I'm alien everywhere I go

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: