هل من مكان للتغيير في الجزائر؟(2)

عرفت الجزائر منذ شهر جانفي 1992 إجراءات تعسفية لامدروسة و لامسؤولة و ممارسات إجرامية و لاأخلاقية لم تضع حدا للمسار الديمقراطي فحسب بل إنها مثلت زلزالا هدم أركان الدولة و بقيت ارتداداته تهدّ كل ما تشقق منها. أصبحت البلاد تعيش فوضى طاغية لا يعرف فيها الحاكم من المحكوم و لا يعرف فيها دور لأحد و لا يحتكم فيها لأي سلطة, طغت لغة السلاح و النار و القوة و لفظت القوانين ما تبقى من روحها. بين “الخارجين عن القرآن و السنة” و ” الخارجين عن القانون” (على حد وصف الرجل الثاني في الجبهة الإسلامية للإنقاذ علي بلحاج) تاهت الجزائر و تاه الجزائريون و شلت الحياة السياسية التي كانت حركيتها – إلى وقت قريب – تبعث على الارتياح و كان الشعب الجزائري يحس أن ربيع الديمقراطية قد هلّ على وطنه فراح يضع الأسس لعقد اجتماعي جديد تكون فيه السيادة و السلطة له,  إلا أن البلاد سرعان ما دخلت حضيرة قانون الطواريء و عادت – بتفعيله – إلى دائرة الاستبداد المغلقة التي ينتفي داخلها العقد الاجتماعي و القانون الطبيعي و جميع الأعراف التي من شأنها تنظيم المجتمعات الإنسانية. لقد ألغى طغيان الانقلابيين (الخائفين على الديمقراطية من الإسلاميين) كل نظريات الفكر السياسي المتراكمة منذ سقراط و أفلاطون لمجرد التوجس و الظن ( إن صدقنا رواياتهم حول الأسباب التي أدت بهم إلى توقيف المسار الانتخابي).

انتفاء العقد الاجتماعي: 

نظرية العقد الاجتماعي هي نظرية افتراضية ليس لها أي أساس واقعي سميت بالكذبة السياسية الأكثر نجاحا في التاريخ, مفادها أن المجتمعات الانسانية بالحالة التي توجد عليها اليوم هي نتيجة لعقد أوجد سلطة حاكمة تتولى وضع القوانين و تسهر على مراقبة تطبيقها. أصحاب النظرية و إن اتفقوا على ضرورة وجود السلطة الحاكمة, اختلفوا في الحدود و القيود التي يجب أن تفرض عليها, أتكون السلطة مطلقة أم مقيدة؟ 

“توماس هوبز” الذي يرى أن السلطة يجب أن تكون مطلقة برر وجهة نظره بكون الحياة في “الوضع الطبيعي” حياة فوضوية لا يأتمن فيها أحد أحدا, أما “جون لوك”  فيرى عكس ذلك, فالحياة في “الوضع الطبيعي” بالنسبة له لا تخلو من الأخلاق التي من شأنها أن تحول دون حدوث أي طغيان أو تعسف و بالتالي فإن الخضوع للقوانين مرتبط بمدى خضوع السلطة الحاكمة و القوانين ذاتها للمباديء الأخلاقية التي كانت تحكم الناس في “الوضع الطبيعي”, و بذلك فإن لوك أقر بحق مقاومة الطغيان بدافع الدفاع عن النفس. في حين يرى “جون جاك روسو” أن الحياة المثالية كانت موجودة في “الوضع الطبيعي” قبل أن تجبر الظروف الاقتصادية الناس على التجمع, هنا بدأ الصراع بسبب ظهور قيم جماعية و فردية جديدة أهمها ” الملكية الفردية” التي أنتجت بدورها أخلاقا جديدة تمثلت في البخل  و الجشع و الحسد و المنافسة و حب التملك و غيرها من الأخلاق التي تجعل المساواة و السلم مستحيلين و تجعل اللجوء إلى إبرام عقد يهدف لإنشاء حكومة ضروريا من أجل حماية أصحاب الأملاك و ملكياتهم من القادرين على إيذائهم و اغتصابها, من هذا المنطلق يرى روسو أن الحكومات وجدت باسم المساواة لتكريس اللامساواة و هذا التناقض هو ما يسبب كل التناحر و التآمر الذي لا يخلو منه أي تجمع إنساني.

 و مهما يكن فحتى بوجود عقد اجتماعي بين الحاكم و المحكوم يمكن لهذا الأخير أن يرفض القوانين إذا رآها جائرة على المباديء الأساسية و الدوافع التي كانت سببا مباشرا في وجود هذا العقد ذاته. فإذا أخذنا بنظرية هوبز لرأينا أن العقد وجد لترشيد الممارسات و جعلها أكثر أخلاقية و لو استدعى ذلك استخدام القوة و الاستبداد بالرأي, فإذا فشل العقد في تحقيق هذه المآرب فلا معنى لوجوده أساسا. و إذا أخذنا بنظرية لوك لقلنا إن العقد يصبح لاغيا إذا خالفت القوانين ما تعارف عليه الجمهور من أخلاق راقية. أما إذا تبنينا نظرية روسو فإن العقد يلغى عندما تصبح قدرته على تحقيق المساواة و حماية الملكية الفردية منعدمة. و لكن انتفاء العقد في الحالات الثلاث لا يضمن الرجوع إلى “الوضع الطبيعي” بل يخلق وضعا جديدا يستلزم عقدا جديدا من الأجدر أن تصاغ قوانينه بناء على المشاركة لا على التهميش و الاقصاء.

و بالعودة إلى التغيرات التي عرفتها الجزائر منذ نهاية الثمانينات و بداية التسعينات من القرن الماضي لوجدنا أن العقد الاجتماعي في البلاد انتفى للأسباب الثلاثة مجتمعة و أن العقد الجديد (إن وجد) لا قدرة له على فرض النظام المفقود لأن صياغة قوانين اللعبة السياسية الجديدة بنيت على الاقصاء لا على المشاركة. انتفى العقد الاجتماعي أولا لأن الحكومات المتتالية عجزت عن الاضطلاع بمهمتها في فرض احترام القانون من طرف الجميع, بل إن استبدادها بالرأي أدى إلى بروز أطراف جديدة تعارض سياستها بشراسة ارتقت إلى درجة العنف. ثانيا, انتفى العقد الاجتماعي لأن الأخلاق التي لا يرضى الجزائريون غيرها هي الأخلاق الإسلامية, أما قانون الطواريء و القوانين المستوردة التي استعملتها هذه الحكومات للترقيع و التمييع فهي تناقض ما تعارف عليه الجزائريون من أخلاق جيلا بعد جيل. ثالثا, انتفى العقد الاجتماعي لأن الملكية الفردية – بل و العمومية – استبيحت و انتهكت, كما أن المساواة انتفت كليا و أصبحت الفرص تتاح لأصحاب السلطة و النفوذ و من يدور في فلكهم بينما توصد الأبواب في وجوه البسطاء من الشعب و إن كانوا ذوي كفاءات. بعبارة أخرى, رأى الجزائري أن الانفتاح الساسي لم يكن إلا انفتاحا صوريا و أن الانعطاف الاقتصادي لا يخدم إلا قلة قليلة ممن يملكون السلطة و النفوذ و أن الزمرة الحاكمة الجديدة تهدد المجتمع في صميم أخلاقه و هويته.  

هل من مكان للتغيير في الجزائر؟ (1)

شهدنا في مدة لا تجاوز ثلاثة أشهر ثلاث حالات من الرفض الشعبي التي شغلت الرأي العام العربي و كشفت هشاشة بعض الأنظمة العربية قبل أن تجردها من شرعيتها و ترسم شرعية جديدة من شأنها أن تغير موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا برمتها. و أبعد الناس عن السياسة و فنها يستطيع ان يدرك بسمعه و بصره أن الحالات الثلاث (تونس, مصر و ليبيا) ليست الوحيدة التي طفت إلى سطح الساحة السياسية العربية و لكنها الحالات الوحيدة – حتى الساعة- التي جردت الأنظمة – أو تكاد- من شرعيتها. حركات في موريتانيا, المغرب, الجزائر, العراق, البحرين, اليمن, لبنان, الأردن و في سلطنة عمان تنادي باصلاحات سياسية و اقتصادية و اجتماعية و تتلقاها الأنظمة بآذان صماء و ردود تتراوح بين استخدام القوة و الافراط في استخدام القوة. بينما شهدنا حركة انفصاالية في جنوب السودان انتهت بالانفصال الفعلي لجنوب البلاد عن شمالها. في الوقت ذاته يعاني الصومال من حرب أهلية لا تخمد و لا تفتر,  و تعاني فلسطين و الصحراء الغربية من الاحتلال بينما لم تصل الأمور – لسبب أو لآخر- إلى حد الانفجار في الدول العربية الأخرى التي تضم السعودية, الكويت, الإمارات العربية المتحدة, قطر, سوريا و جزر القمر. 

المتتبع لهذه الديناميكية الجديدة التي خلقتها الشعوب العربية منذ نهاية 2010 و مع بداية  العام الجديد يلاحظ – من خلال تعامل الاعلام و تفاعل الشارع العربي مع الأوضاع- أن الأنظمة العربية رغم تشابهها في الطرق القمعية و الانبطاح للغرب و الازدراء بالشعوب إلا أنها تختلف في جزئيات (قد تقل أو تكثر) هي جزئيات قد لا تقدرها الشعوب حق قدرها إن هي اندفعت بحماس شبابها فقط, فتخسر أكثر مما تجني من انجازات هي في أمس الحاجة إليها. رأينا في البداية الهزة الشعبية التونسية التي أدت إلى فرار زين  العابدين بن علي و رأينا تعامل قوات الأمن التونسية مع المتظاهرين و رأينا أيضا كيف كان تدخل الجيش حاسما بوقوفه إلى جانب الشعب في التوقيت المناسب للحد من إزهاق الأرواح, و مطمئنا أن الانتقال بتونس إلى مرحلة ما بعد بن علي سيتم على أيد مدنية مؤكدا بذلك على سمة عدم التدخل في شؤون السياسة التي عرف بها. و رأينا بعدها مباشرة الانتفاضة الشبانية في مصر و التي كان تصرف الأمن فيها أشد بشاعة و أشد فتكا مما كان عليه الأمر في تونس, أما الجيش فقد ظل مترددا و وقف “على الحياد” مدة قبل أن يفصل في موقفه و يعترف – على استحياء- بشرعية و مشروعية مطالب الشارع مدفوعا إلى ذلك بذكاء المعتصمين في ميدان التحرير الذين تمكنوا  – عبر ضبط النفس- من إثبات سلميتهم, وتمكنوا – عبر احترام الجيش و الالتحام به – من استمالته و حتى استعطاف أفراده ظباطا و جنودا. أما في ليبيا فإن الشارع قد اصطدم بواقع مختلف و بسياسي “محنك” يعرف خبايا السياسة الدولية و يجيد المناورة و اللعب على أوتار الخبث السياسي فارتكبت كتائبه و مرتزقته أبشع الجرائم التي تصنف “ضد الإنسانية” و مازال متمسكا بالسلطة إلى حد كتابة هذه السطور, بينما يقف قسم من الجيش الليبي مع الشعب الثائر و يقف القسم الآخر مع “القائد” ( قد يكون مرغما على ذلك و يمكن أن يظهر موقفه الحقيقي إذا تم فرض الحضر الجوي). لكن ما يميز هذا الجيش هو تهميش في المجال السياسي و رداءة في التدريب العسكري و قلة في العتاد الحربي, لذلك فإن الموقف المشرف أخلاقيا للقسم الملتحم بالشعب لم يرق لدرجة الحسم ميدانيا. و لست هنا بصدد التفصيل في تحليل كل من هذه الأحداث و لكن ما تجدر الإشارة إليه هو أن الواجهة السياسية لكل من هذه الأنظمة و التي يمثلها أشخاص الرؤساء هي التي تمسك بزمام السلطة فعليا ( و لو أنها في الواقع تخضع لإملاءات الغرب) أما في الجزائر فالأمر يختلف اختلافا جليا.

لا يخفى على أي جزائري أن السلطة و القرار بيد الجيش وحده لا يقاسمه فيهما أحد حتى إن كان رئيس الجمهورية نفسه, و الكل يتذكر أن بوتفليقة صرح مباشرة بعد وصوله إلى سدة الحكم أنه لن يقبل بأن يكون ثلاثة أرباع رئيس بل سيسعى إلى أن يكون رئيسا كاملا, تصريح كهذا كان لزاما أن يثير حفيظة المتسيدين على البلاد منذ انقلاب جانفي 1992 الذين هبوا هبة رجل واحد للوقوف في وجه الإرادة الشعبية و حولوا البلاد إلى مرتع للجريمة المنظمة و الإرهاب الممنهج فاستطاعوا أن يحكموا قبضتهم على السياسة و الاقتصاد و الأمن بعد أن أزاحوا طبقة المثقفين الوطنيين عن كل الميادين (العسكرية و السياسية و الاقتصادية و غيرها). و لا يخفى على أحد في الجزائر أن هذه الزمرة التي عاثت فسادا في الأرض تتكون من قدماء الجيش الفرنسي الذين اندسوا في صفوف جيش التحرير الوطني قبيل الاستقلال ليضمنوا لفرنسا – التي مازالوا يوالونها على حساب مصالح الجزائر و شعبها – البقاء. كما لا يخفى أن هذه الزمرة هي ذاتها التي تعين الرؤساء بجرة قلم و تزيحهم بالطريقة التي تراها أنسب, فالتغيير أو الاستقرار لا يخضعان في الجزائر إلا لأهواء هؤلاء الذين يظنون أنهم يملكون القوة.. كل القوة, خاصة بعد أن تمكنوا من الوصول إلى أشد الوسائل فتكا بالشعوب و هي زرع الخوف و الجبن في نفوس الشباب و تنفيرهم من مجال السياسة و أمور الحكم و تحييدهم عنها فكرا و عملا, لتحويلهم بعد ذلك إلى شتات, في تطبيق “عبقري” لسياسة ” فرق تسد” التي تعلموها من الاستعمار و طوروها – خدمة لأغراضه – حتى انبهر الاستعمار ذاته بحلتها الجديدة.

يعتبر عام 1992 نقطة تحول محورية في التاريخ السياسي الجزائري, و ما جعله عاما استثنائيا هو كونه العام الذي تم إجهاض التجربة الديمقراطية الجزائرية خلال شهوره الأولى, فبعد انتفاضة 5 أكتوبر 1988 الشعبية عرفت الجزائر تغير ثلاثة معطيات أساسية: أولا, انفتحت الساحة السياسية انفتاحا أدخل البلاد صرح التعددية السياسية و وضعها على سكة الديمقراطية التي حادت عنها منذ الأيام الأولى للاستقلال, معلنا بذلك نهاية نظام الحزب الواحد الذي ظل سائدا لمدة ست و عشرين سنة. ثانيا, عرفت الساحة الاقتصادية انعطافا كبيرا تمثل في الانتقال بالبلاد من نظام الاقتصاد الموجه إلى نظام السوق الحرة, و لم يكن هذا التحول اختيارا حرا تبناه صناع القرار في الجزائر بقدر ما كان ضرورة فرضتها التغيرات التي طرأت على معطيات السياسة و العلاقات الدولية و أبرزها انهيار قلعة المعسكر الشرقي (الاتحاد السوفييتي). أما التغير الثالث فقد كان ذا طابع نفسي و تمثل في فقدان الثقة بين الشعب و الجيش و اتساع شرخ كان إلى حد تاريخ 5\10\1988 محصورا بين الجيش و نخبة مثقفة ضئيلة العدد و هي النخبة التي ظلت تعاني من القمع العسكري في صمت غذته طبيعة النظام.  

 

أين المساجد؟

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:” إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله و دع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد و هو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله و شريبه و قعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم تلا الآيات 78 إلى 81 من سورة المائدة (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ. كَانُواْ لاَ َتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ. تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ. وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)، ثم قال” كلا، و الله لتأمرن بالمعروف و لتنهون عن المنكر و لتأخذن على يد الظالم و لتأطرنه على الحق أطرا و لتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم” (رواه أبو داود و الترمذي). 

إن هذا الدين الذي ارتضاه الله للعالمين جاء ليخرجنا من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة و من عبادة الأوثان و الأصنام إلى عبادة الله وحده, و ليتمم لنا مكارم الأخلاق التي تتزكى بوجودها الأمم و ترقى, أو تنتكس بفقدانها و تشقى. و إن هذا الدين الذي نحاول اتباعه ما استطعنا -لأننا رضيناه لأنفسنا امتثالا لأمر الله و اقتناعا عقليا بما جاء به – لدين يدعو إلى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بل و تغييره باليد أو باللسان أو بالقلب. و إن هذا الدين الذي ملك قلوبنا فلم يعد لأحد غير الله سلطان عليها لهو الدين الذي يأبى الظلم و ينذر الظالمين بعذاب أليم و جحيم, و يدعو إلى العدل و الإحسان و يبشر المؤمنين العاملين المجتهدين بأجر كريم و نعيم.

 لقد رأينا في العقود الأخيرة ظلما في عالمنا العربي لا يشهد العالم ما يضاهيه, و رأينا فسادا و طغيانا في المال و العلم و السلطان, و شهدنا صدودا عن سبيل الله و تشجيعا لجميع أنواع الملهيات و المنكرات و المحرمات و استباحة لحدود الله لا نعلم لها نظيرا. لقد رأينا من أولياء أمرنا و من القائمين – مجازا- على شؤوننا ما جعلنا نظن أن لن تقوم لنا قائمة ما داموا فينا, رأينا منهم ما يغيظنا و لا يغيظ أعداءنا, و ما ينفع  أولئك و يضرنا, و ما يضحكهم و يبكينا  : استبيحت أمصارنا و خيرات منّ الله بها علينا و جعلنا لها وارثين بما بذله أجدادنا و آباؤنا من جهد و بما استرخصوه من مال و دم و نفس و بما قدموه من دروس في التضحية و نكران الذّات, فلا نحن حفظنا الأمانة و لا نحن وقفنا سدا في وجه الجبابرة الذين حالوا بيننا و بين ذاك, ما أسدينا النصح في وقت النصح و ما جهرنا بكلمة الحق حين اشتد البأس و انبسطت يد الظلم تعيث فسادا في أوطاننا و لقد نعلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: “و الذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف و لتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم” ( رواه الترمذي). و انظروا – سادتي- إلى الحال التي نحن عليها اليوم بسبب ما كسبت أيدينا من قلة جراءة -عند العامة و العلماء على حد سواء- على مجابهة الحكام, وانعدام الحلم و الصبر من الحكام على كلمة حق تستيقنها أفئدتهم و تأباها أهواؤهم: فقر و جوع و بطالة و رشوة و محاباة و افتراء و استخفاف بأحلام الرجال و قلة أدب – إلا من رحم ربي- و لا حول و لا قوة إلا بالله. لقد أفرغت الدول العربية من جل ما وعت من خير, أصاب الأمة الإسلامية الوهن و استوطنها الخوف من كل شيء, و تاهت الشعوب بحثا عن مخرج من هذا الوضع السقيم الذي لا يأتمن فيه الأخ أخاه, و لا الجار جاره, و لا الفقير الغني, و لا الغني الفقير, و لا المريض – و لا أهله- الطبيب, و لا الطالب – و لا وليه- الأستاذ, فالكل يخشى انعدام الأمانة لدى الكل, انعدمت الثقة بين الناس و طغت النزعة الفردية المستوردة من الغرب على التكافل الاجتماعي الموصّف في القرآن العظيم و السنة المطهرة على صاحبها أزكى الصلاة و أجمل التسليم. 

في هذا العالم الذي تعصف به الفتن من كل جانب لم يعد للمسلم من أسوار تحميه العواصف الهوجاء إلا أسوار المساجد, فلقد عمت الفوضى حتى شملت صفاء الأذهان فذهبت به بعد أن تمكنت من الزحف على التربية و التعليم و البحث العلمي و الإعلام, أصبحت معالمنا سرابا تتراءا لنا في الأفق فنقصدها و لا نبلغها, و نطلبها حثيثا و لا نلحقها. ضاقت علينا الدنيا بتعتيم أنهك كاهلنا فخارت قوانا – أو بعضها- بحثا عن  خروج من متاهات لا نعلم أصلا إن كان لها مخرج. لهذا أصبحنا ننتظر الجمعة بعد الجمعة علنا نسمع من خطبائنا ما ينير دربنا و يسدد رمينا و يزيل الحيرة و التيه عنا و يوضح معالمنا و يصحح أخطاءنا و يصوب أفكارنا و يرسي سفن جهودنا على يابسة الهدى. و للأمانة أقول إننا كنا نسمع من بعض أئمة مساجدنا ما يثلج صدورنا و ما يفتح الله به أبواب الفهم لنا و ما يسقي بذور الأمل في نفوسنا, بل أصبحنا نعرف خطب بعضهم حتى لو ألقاها على مسامعنا غيرهم, لما فيها من جرأة و ذكاء في الطرح, و قوة في اللغة و المبنى, و عمق في المعنى. و عملا بقوله جل و علا: ” و تواصوا بالحق” أقول بحزن إننا لم نعد نرى مما ألفنا الكثير, أصبحنا نرى ارتباكا على  المنبر لم نعهده منهم, و زهدا في الجهر بكلمة الحق لم نتوقعه من أمثالهم, و مواضيع لا تتوافق مع ما ينتظره المصلون و خطبا لا تجيبهم عمّا تصارع في صدورهم من أسئلة و هواجس بين الجمعتين. إن المسلم الذي أسند ظهره إلى المسجد يا سادتي لا يريد أن يرى أسوار المسجد تهوي كما هوت كل الأسوار و لا يريد أن يرى أنواره تخبو كما خبت كل الأنوار, و يحضرني في هذا المقام قول أظنه للشيخ البشير الابراهيمي مغزاه أن المسلم لا يرضى أن يؤمه في الصلاة إلا رجل يؤمه في الحياة, فمن رضي لنفسه أن يقف على المنبر فقد ألزم نفسه أن يكون وريثا للرسول صلى الله عليه و سلم و لكافة الأنبياء و المرسلين فالعلماء ورثة الأنبياء كما قال صلى الله عليه و سلم, و قد قال تعالى في محكم التنزيل: ” يا يحيى خذ الكتاب بقوة “, فالحزم و القدرة على اتخاذ المواقف  التي لا يشوبها لبس و لا تحتمل التآويل خصلتان لا غنى للإمام عنهما. 

سدد الله خطى أئمتنا و يسر سبيلهم إلى الخير و جعلهم هداة مهتدين و رفع بهم الغمة عن هذه الأمة. آمين!

ما حكاية المرتزقة؟

منذ الأيام الأولى لما أصبح يسمى الثورة الليبية و الإشاعات تتزايد عن وجود مرتزقة يحاربون الثوار الليبيين جنبا إلى جنب مع كتائب القذافي, و بحكم أن القذافي هو “ملك ملوك إفريقيا” فقد توجهت أصابع الاتهام إلى عدة بلدان بل عدة دول إفريقية يجزم الكثيرون أنها هي التي تقوم بإرسال هؤلاء المرتزقة لإنقاذ “ملك الملوك” من مصير يشبه مصير كل من بن علي و مبارك.

جاء على رأس لائحة المتهمين كل من غانا و كينيا تليهما مباشرة التشاد, النيجر و مالي التي استقال السفير الليبي من منصبه في عاصمتها مؤخرا و أصبحت استقالته المتأخرة تثير أكثر من استففهام. في حين أن الغموض في قضية استعمال طائرات حربية جزائرية لنقل المرتزقة لحماية النظام الليبي مازال يثير الجدل رغم إصدار وزير الخارجية الجزائري و وزير الداخلية أيضا تكذيبا رسميا لما اعتبراه مؤامرة يعرفون من يقف وراءها في إشارة بينة إلى المخزن. 

البداية كانت من الإشاعة التي خرجت إلى الوجود منذ الأيام الأولى للثورة و التي تتلخص في كون الجزائر قد قامت بإرسال المرتزقة إلى ليبيا على متن طائرات تابعة للخطوط الجوية الجزائرية, و هي إشاعة سرعان ما فندها الرئيس المدير العام للشركة مقدما حججا واهية لم تقنع العارفين بقوانين الملاحة الجوية, فقد أدلى بتصريح قال فيه إن الطائرات التي شوهدت في أحد مطارات ليبيا و التي تحمل شعار الخطوط الجوية الجزائرية هي ملك لليبيا قامت بكرائها للجزائر حين كان نظام القذافي تحت طائلة العقوبات الدولية, بينما صرح المختصون أن القانون يقضي بأن الطائرات يجب أن يعاد طلاؤها قبل إرجاعها إلى الدولة المالكة. ثم, إذا كان الأمر كذلك فقد كان حريا أن تستخدم الطائرات الجزائرية في إجلاء الرعايا الجزائريين, و هذا – لو ثبت نقل المرتزقة – كان سيكون غطاء فعالا لهذه الممارسات ( بغض النظر عن جانبها الأخلاقي), فكيف تكون هذه الحجة قد غابت عن عقول الدبلماسية الجزائرية و عن الرئيس المدير العام للخطوط الجوية الجزائرية؟ 

تلى هذه الإشاعة مباشرة خروج الفتى الليبي صدام الحمري على قناة الجزيرة مصرحا بأنه كان واحدا من بين الثوار الليبيين الذين ألقوا القبض على  مرتزقة من جنسيات إفريقية مختلفة منهم تونسيون و مغاربة و جزائريون أيضا, و قال إن الثوار يتعاملون مع المرتزقة العرب بطريقة تختلف عن طريقة تعاملهم مع باقي الأفارقة حيث أنهم يوفرون العلاج و الحماية لمن سماهم الإخوة بينما يقتلون الآخرين.

بعد صدام الحمري جاءت “الصرخة الكبرى” من الناطق الرسمي باسم المجلس الوطني الانتقالي الليبي و التي توجه فيها مباشرة و صراحة إلى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة يطالبه فيها بل يترجاه أن يوقف تدفق المرتزقة على الأراضي الليبية. و في الأخير جاء في الفضائيتين (فرانس24) و (ميدي 1 سات) أن الثوار الليبيين ألقوا القبض على مرتزقة من البولزاريو يملكون جوازات سفر جزائرية.  

رغم كل هذه الاتهامات التي تأتي في وقت بقيت فيه الجزائر على الحياد فيما يخص فرض حظر جوي على ليبيا و بقيت تلازم سياسة الصمت التي عودتنا عليها في المدة الأخيرة في كل القضايا التي تهم الوطن أو التي تهم الأمة, تبقى القاعدة القانونية تقضي ببراءة المتهم حتى تثبت إدانته, و يبقى على التاريخ أن يضيف سؤالا إلى قائمة الأسئلة التي لم يجب عنها  بعد: ما حكاية المرتزقة؟؟ 

ماذا لو…؟ (2)

بعد أن كتبت المدونة التي حملت هدا العنوان قرأت على صفحات الشروق هدا المقال لأخصائي اقتصادي و أحببت أن يطلع عليه قراء صفحاتي عله يفتح أبصارهم و بصائرهم على حقائق تثلج الصدور و تزرع الأمل في مستقبل مشرق بدأت ملامحه تتشكل في وطننا العربي و الإسلامي الفسيح

إليكم النص:

“الزكاة في الإسلام أو الحل الاقتصادي المنسي

2011.02.16

د بشير مصيطفى

نقلت وسائل الاعلام بشكل واسع تحليلنا الأخير في موضوع “زكاة الركاز”، وخصت “زكاة المحروقات ومنها النفط” بالعناية، ولم أكن أتصور أن الموضوع سيلقى رد فعل شعبيا ونوعيا كالذي لقيه….

  • حتى وصلتني اقتراحات من جهات عدة للبدء في حركة جادة الغرض منها تحسيس المسؤولين بالحلول الناجعة التي يزخر بها الفقه الاسلامي لمعالجة ظاهرة الفقر والافلاس والبطالة، ومن بين تلك الحلول “الزكاة” أي الركن الثالث من أركان الدين الاسلامي. فماذا يعني أن يستقطب موضوع “زكاة النفط” كل هذا الاهتمام على الرغم من مضي أكثر من 14 قرنا على تناوله بين أبواب الفقه الاسلامي تحت مسمى “زكاة الركاز”؟ وكيف يمكن تحويل مبدأ “الزكاة” الى فكرة اقتصادية وتطبيقية لصالح توازن الأسواق ودعم التنمية؟   
  • تناول الفقه الاسلامي موضوع زكاة الثروات الباطنة تحت عنوان “زكاة الركاز”، ومعنى الركاز الثروات المركوزة في الأرض بما فيها المساحات اليابسة أو البحرية، وفي لغتنا الدارجة هناك كلمة “الركز” وتعني شد أوتاد الخيمة الى الأرض، وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم انصرف الذهن الى موجودات باطن الأرض من الكنوز والذهب، والزكاة عليها بنص الفقه الاسلامي تكون بنسبة 20 بالمئة، ولكن روح الفقه الاسلامي تتجاوز السياق التاريخي الى حقيقة الثروة حيث أن الركاز يتجاوز الكنوز والذهب الى المعادن المكتشفة حديثا كاليورانيوم والفوسفات والمعادن النفيسة والمواد الأخرى كالنفط والغاز. وقليل من الناس من يعرف بأن الزكاة في الاسلام لا تعني السيولة وحدها بل كل مصدر لتحقيق الثروة، وأن أقل نسبة للزكاة تنصب على الثروة التي تأتي بطريق الجهد والعمل أي الثروة العائمة وقدرها 2.5 بالمئة، وكلما نقص عنصر العمل في القيمة زادت نسبة الزكاة مرورا بعتبة 5 بالمئة في المزروعات المسقية يدويا الى 10 بالمئة في المزروعات المسقية بالطبعية الى 20 بالمئة في ثروة الركز وأشهرها اليوم النفط والغاز. وفي الدول الخليجية التي تنتج النفط وحدها أي الدول الخليجية النفطية بلغت عائدات النفط -وحده- العام 2010 مستوى 465 مليار دولار، وعلى أساس محاسبة الزكاة فإن حق الطبقة الهشة من المجمع الخليجي منها يقدر بـ 93 مليار دولار ومع العدد المتواضع لسكان منطقة الخليج فإن الفائض من الثروة لصالح المجتمع يتجاوز المنطقة الى جميع دول العالم الاسلامي على أساس أن الزكاة حق لكل المسلمين في العالم.
  • يمكن للجزائر إلغاء الفقر في نصف دقيقة 
  • قال مصدر رسمي في وزارة الطاقة والمناجم إن عائدات الجزائر من المحروقات العام 2010 وصلت الى 55.7 مليار دولار، ما يعني زكاة للركاز مبلغها 11.4 مليار دولار، وإذا علمنا أن 20 بالمئة من عدد الجزائريين لا يتعدى دخلهم 2 دولارا يوميا، وهو الحد الذي وضعته الأمم المتحدة للدخول الى ساحة الفقر، فإن هذا يعني بأن 7 ملايين محتاج بالجزائر يتقاسمون زكاة النفط وحدها بنصيب 16.3 ألف دولار سنة 2010 وحدها، ويكون نصيب عائلة فقيرة من 6 أفراد، وهو متوسط حجم هذا النوع من العائلات، 97.8 ألف دولار، أي مرتبا شهريا لرب العائلة قدره 8150 دولارا، أي 64 مليون سنتيم. قد يبدو الرقم خياليا وصادما ولكنها الحقيقة التي تكشف عنها “زكاة الركاز” في زمن باتت فيه الحلول الناجعة منسية. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا عن بقية مصادر الزكاة مثل الناتج الداخلي الخام للدولة وحجمه 150 مليار دولار، وتوظيفات الدولة في سندات الخزانة الأمريكية وحجمها 43 مليار دولار، وصندوق ضبط الايرادات وحجمه 55 مليار دولار، والاحتياطي من النقد الأجنبي وحجمه لامس سقف 143 مليار دولار؟
  •  حقيقة يصعب علينا تخيل النتيجة، ولكن الأكيد أنه بإمكاننا إلغاء الفقر ببلادنا تماما في نصف دقيقة ، أي في الوقت الذي يتطلبه توقيع رئيس الجمهورية على قرار توزيع زكاة الركاز.  
  • نحو وزارة للزكاة والأوقاف 
  • تؤسس الزكاة لمجتمع مختلف تماما في مجال توزيع الدخل ينسي الدولة أمر الجباية حيث من الخطأ حصر مستحقي الزكاة في فئة الفقراء كما هو شائع في الذهنية الاسلامية العامة، بل ينص القرآن الكريم على أن الزكاة حق دستوري للفقير والمسكين والطالب والموظف والعامل والمسافر والمستثمر المتعثر، أي تلك الفئات التي لها دور في تشكيل الطلب الداخلي على السلع والخدمات والتي تساهم في القيمة المضافة كالمؤسسات المنتجة المعرضة للإفلاس، وتأتي في النص القرآني تحت عنوان “الغارمون”، وهكذا توفر الزكاة على الحكومة عبأ التحويلات الاجتماعية المعرضة للفساد كالخدمات الجامعية وبرامج تطهير المؤسسات ومسح الديون والاعانات الموجهة للمعاقين والمسنين والمنح الاجتماعية للعمال.
  • ويندرج موظفو الجباية المبنية على الزكاة في خانة “العاملين عليها” مما يدعم مردودية الوظيف العمومي، أما تمويل البحث العلمي الذي ما يزال يعيش على ميزانية الدولة فيكون من باب “في سبيل الله”، وهكذا توفر الزكاة للحكومة فرصة ذهبية للتخلص من أعباء مالية اجتماعية كبيرة لا تظهر آثارها في مستوى التنمية في حين يساعد نصيب الغارمين على حفز الطلب على الاستثمار بصورة أكثر نجاعة، بسبب انخفاض درجة المخاطرة الى الصفر.
  • ويتطلب الأمر من أجل إنجاح تجربة الاقتصاد المبني على الزكاة رؤية تطبيقية أكثر منها فقهية، وقد دعونا منذ العام 1990 تاريخ عقد أول ندوة جهوية بالجزائر حول تنظيم الزكاة الى إطلاق بنك أو مؤسسة أو وزارة للزكاة ومعها الأوقاف، وأن يكون الاقتراب المؤسساتي للزكاة مندمجا في النظام المالي للدولة يؤطره قانون للزكاة ومحاسبة للزكاة وإدارة جباية للزكاة ونظام احصائي فاعل للزكاة ومنظومة تدريب بشرية للزكاة على أرقى ما وصلت اليه نظم “الموارد البشرية” وبذلك يمكننا المساهمة في إعادة توزيع الدخل على سلم النجاعة الاقتصادية والاجتماعية، وليس على أساس المنظومة الرأسمالية التي ما زالت تكرس مبدأ التمييز في نسب الضريبة.
  • إننا حقا بحاجة ماسة الى حلول مبتكرة في مجال تنظيم الاقتصاد على أسس أكثر متانة، حلول متوفرة بين أيدينا ولكن يبدو أن فصل الدين عن الحياة لا يزال يشوش على واضعي السياسات الاقتصادية والاجتماعية في كل ربوع العالم الاسلامي، لأنهم ببساطة يعتقدون بأن الاسلام مجرد رهبانية ونسك، في حين أن كلمة زكاة الثروة وردت في القرآن الكريم 87 مرة كلها منزلة في المدينة رمز الدولة ورمز الدستور ورمز النظام الاقتصادي المتوازن أيضا

ستكسر أبواقكم و تخرصون

يخرج علينا في كل يوم مسؤول أمريكي يتحدث عن الأوضاع و تطوراتها في مصر و كأنهم أوصياء عليها أو كأن الشباب الثائر في ميدان التحرير و في أرجاء أرض الكنانة فوضهم للحديث على لسانه أو التعبير عن مطالبه و انشغالاته.. وقاحة ما بعدها وقاحة و حشر للأنوف لن ينتهي إلا بتمريغها في التراب.. فهؤلاء الذين يتحدثون بلغة ” الآن يعني أمس” و ” التغيير فورا” و “ينبغي على السلطة…” و غيرها من المضحكات المبكيات, هم الذين كانوا بالأمس القريب جدا..جدا..جدا يقفون إلى جانب هذه الأنظمة الغارقة في الفساد و يباركون مواقفها المتمادية في إذلال الشعوب العربية – و لا أقول شعوبها – طمعا في كسب ود هؤلاء الذين يسامون – باطلا- بأرباب التقدم و الديمقراطية و الحرية و التحضر و التمدن و.. و.. و.. و الذين أتخمونا بأكاذيب من وحي السيناريوهات الهوليوودية, فتصدقها عقول السواد الأعظم من مثقفيهم و كتابهم و منظريهم و طلبتهم و فنانيهم و رياضييهم و تضحك من سذاجتها براءة أطفالنا و تمتلء دمعا من مخلفاتها آماق أمهاتنا و أخواتنا و نسائنا و بناتنا.. و تستشيط غيظا من ذلك كله  قلوبنا.

 ألم يفهم هؤلاء  بعد أن لا صوت يعلو على صوت الشعب؟.. بلى, و لكنهم يتوهمون أنهم بهذه النبرة الجديدة سيكسبون قلوب الشعوب و يستميلونها تحضيرا لمرحلة جديدة, و أنهم بهذه النبرة الجديدة سيغرون ألباب الشباب و يغزون قلوبهم قبل أن يعاودوا غزو ديارها.. هيهات هيهات.. إن هذا الشباب يلمس – و بوضوح- هذا الارتعاش الذي يصاحب هذه النبرة المرتبكة الحائرة. الآن انتقلت صناعة التاريخ إلى معسكر جديد, انتقلت إلى الشارع, إلى الشعب.. عادت إلى مستقرها الطبيعي بعد أن ظلت حكرا على أروقة القصور الرئاسية و قاعاتها الفارهة لعقود, يتلقى فيها أولو أمرنا الأوامر من وراء البحار و المحيطات, و يكتبونها على ظهورنا و رؤوسنا و صدورنا بمداد من العصي المستوردة, و قنابل الغاز المستوردة, و الرصاص المستورد.. من وراء البحار و المحيطات.

اليوم يقول الشباب العربي الثائر بصوت عال و بنبرة ملؤها المروءة و الرجولة و الثقة و اليقين.. اسكتوا..اصمتوا.. فقد بدأنا مرحلة تكسير الأصنام التي ألّهتموها علينا و استعبدتموها و جعلتموها أبواقا تنفخون عليها أي نغم تريدون و في أي وقت تشاؤون, أفيقوا من هذه الصدمة – أو لا تفيقوا- ستكسر أبواقكم و تخرصون…

أنلزمكموها و أنتم لها كارهون؟

منذ أن تم الإعلان عن المسيرة التي دعت إليها التنسيقية الوطنية من أجل التغيير والديمقراطية حاولت بعض الأطراف أن تصور لنا هذه المسيرة كغول مخيف سيقضي على الأخضر و اليابس و سيعيد البلاد إلى ما كانت عليه من اللاّأمن و من الخوف على الأرواح و الممتلكات..عجبا..

 

نعرف جميعا أن المسيرات محضورة في العاصمة منذ أمد بعيد, و أن التظاهر و التجمع ممنوع فيها أيضا, و لكننا لم نر البوليس يقمع أولئك الذين خرجوا إلى شوارعها يهتفون بحياة الرئيس عندما “فاز” بعهدة رئاسية ثالثة, و لا سمعنا بها تنهال بعصيها على من خرج ذات 18-11-2009 يحتفل بتأهل الجزائر إلى نهائيات كأس العالم, لا بل رأيت يومها بأم عيني رجال شرطة يرقصون و جنودا يهتفون من أعالي شرفات القيادة العامة للقوات البحرية.. و لكم كنت سعيدا بتلك المناظر و أحسب أن الجميع كان يقاسمني الإحساس ذاته.. و لا يقولن لي أحد إن هذه “المناسبات” قد تخلو من الانزلاقات التي تتسبب فيها فئة شاذة من الشباب الذي لا يفوت أي فرصة للاعتداء على المواطنين المسالمين, فقد كنت شاهدا على أكثر من حادثة أقربها إلي تعرض ابن خالي إلى ضربة بسكين لم يشعر بها من فرط سعادته حتى أعلمته أن رأسه كان ينزف.. و لكن هل يذكر شئ من ذلك اليوم؟ كلا..

إن التنسيقية الوطنية من أجل التغيير و الديمقراطية تدعو إلى الخروج في مسيرة سلمية في جميع أنحاء الوطن, أما في العاصمة فستنطلق المسيرة من ساحة أول ماي نحو ساحة الشهداء, و لمن لا يعرف العاصمة فإن المسافة بين الساحتين لا تتعدى بضع كيلومترات سيسير الحشد فيها رافعا و مرددا بعض الشعارات التي يؤمن بها و التي يريد التعبير عنها بحرية و بديمقراطية لطالما تغنت بها السلطات.. و بالتأكيد ترحب التنسيقية بتواجد الشرطة و قوات مكافحة الشغب التي من شأنها أن تحول دون حدوث انزلاقات غير محمودة العواقب, على ألاّ تحول دون السماح للمتظاهرين بالتعبير عن آرائهم و رؤاهم و مطالبهم التي يرونها ,و تراها شريحة واسعة من المجتمع, مشروعة.

أيا من تعارضون المسيرة, يا قومنا و يا أهلنا, إن من حقكم أن تعارضوا المسيرة و إن لكم – بسبب معارضتكم لها- ألاّ تخرجوا و ألاّ تحتشدوا مع المحتشدين, هذا حقكم الذي لا نبخسكم.. أنلزمكموها و أنتم لها كارهون؟ كلا و الله, فما لهذا سنخرج و لكنّا سنخرج من أجل أن نلغي سياسة الكيل بمكيالين التي ظل ممارسوها و حماتها جاثمين على صدورنا و صدوركم و لنا عندكم طلب واحد لا غير: ألاّ تهوّلوا ما لا يستحق التهويل و ألاّ تخوضوا مع الخائضين في اتهامنا بالعداء للوطن و السلام فإن منا المجاهدون و منا أبناء الشهداء و أحفادهم و منا العالم و المتعلم و طالب العلم و منا دون ذلك و منا الفقير و الغني و منا الصغير و الكبير و منا ذو الشيبة المسلم, فلا تتركوا سبيلا للأفّاكين لاستصغار عقولكم و تسفيه أحلامكم..

و للجزائر و لكم منا السلام.         

لماذا تغيرون خلق الله…السياسي؟(الجزء الأول)

َ

﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[الذاريات: 49]

يبدو أن عجلة التغيير العربية تحركت أخيرا و أن الوهن الذي أصاب هذه الأمة يترنح على حلبة التاريخ أمام شعوب ضاقت ذرعا بصمتها قبل أن تضيق ذرعا بحكامها الذين تبنوا الاستبداد فأفسدوا البلاد و أذلوا العباد. فبالأمس ولدت تونس من رحم أزمة دامت خمسين عاما و اليوم تمر أم الدنيا بمرحلة مخاض عسيرة و العرب في أروقة الزمن يترقبون بقلق و أمل شكل المولود الجديد, و وزن المولود الجديد…و من ستكون الممرضة التي تتلقف المولود…ثم هل سيرضع من ثدي أمه أم أنه – مثل إخوته – سيرضع حليبا مستوردا لا يسمن و لا يغني من جوع.

هذه الانتفاضة الشعبية العربية التي زلزلت الأرض تحت أقدام اثنين من فراعنة العصر – و يرجى أن تدك صروح الدكتاتورية في باقي البلاد العربية – لم ترق بعد إلى مرتبة الثورة كما يروج أكثر العرب تفاؤلا, فالثورة برنامج واضح الملامح و الأهداف و القيادات, و لكن هذه الهزة رغم ذلك كفيلة بوضع أولى الخطوات و اللبنات التي من شأنها أن تهيئ لتغيير الذهنيات التي غلب عليها الركود و الانهزامية و الأنانية المفرطة, و كلها عوامل أدت إلى فقدان الثقة لا بين الشعب و القيادة فحسب بل بين أفراد الشعب الواحد و بين الشعوب و بين القيادات المتنافسة في فنون إذلال هذه الشعوب و الاغتناء من بيوت مالها, المتبارية في فنون الخنوع للغرب من غير ذرة حياء. فما الذي أدى – و الحالة هذه – إلى هذه الهبة الشعبية؟ و كيف يمكن أن تتطور لتصبح ثورة كاملة النمو؟ 

ما الذي أدى إلى هذه الهزة الشعبية؟ 

لم تكن لقمة العيش الشرارة الأولى لانتفاضة الشعب التونسي  كما يحاول الكثيرون أن يصوروا, فمحمد البوعزيزي – رحمه الله –  لم يقدم على ما أقدم عليه بسبب بطالته, و لا بسبب منعه من بيع بضاعته,  لكن عزة نفسه جعلته يأبى أن تتجرأ شرطية على إهانته, محمد اختار أن يبيد على أن يذل أو يهان, و يا ليت الحكام يدركون, بل ليت العالم أجمع يدرك, كم في تونس الخضراء و في البلاد العربية من محمد!…

محمد المصري
محمد المصري
لا يمكن لأي كان أن يزعم أن العرب عاشوا بلا بطولات, أو أنهم لم يرصعوا تاج تاريخهم بأجمل و أغلى الزمردات و الجواهر التي ظل بريقها ينير درب الرقي منذ بعثة محمد”الأول”  – صلى الله عليه و سلم – و حتى وقت غير بعيد..

محمد الجزائري
محمد الجزائري

لا أحد يمكنه أن يدعي أن مدينة القيروان لم تكن القاعدة التي انطلقت منها الفتوحات الإسلامية نحو أعماق إفريقيا و صوب الأندلس, و لا يجرؤ أحد أن ينكر الدور الاستراتيجي لميناء تونس الذي كان القاعدة التي انطلقت منها السفن إلى صقلية و جنوب إيطاليا حاملة راية التوحيد, و لا يمكن للتاريخ ان يطمس حقيقة أن القيروان كانت عاصمة للعلم و الأدب التي مكنت الدولة الصنهاجية من النهوض بالاقتصاد و فن العمارة و العمران أدت بعد سنين إلى ظهور الوعي الذي مهد لانفصال الدولة الصنهاجية عن الدولة الفاطمية الشيعية و عودتها إلى كنف الدولة العباسية السنية…هذا, و في التاريخ ما يدلنا أن الشعب التونسي كان أحد الحصون المنيعة التي كسرت شوكة النورمان و الصليبيين المتحاملين على البلاد الإسلامية, و أنه قهر الإسبان في معركة تونس الخالدة, و أنه رفض طغيان الأتراك العثمانيين, و أنه صبر و صابر و قاوم محاولات الهيمنة الفرنسية حتى أدرك الاستقلال في 20 مارس 1956 بعد 75 عاما مما يسمى – بغير وجه حق- الحماية الفرنسية. إن هذا الشعب الذي صقلت المحن عزيمته لم يثر و لم ينتفض في كل مرة ثار فيها و انتفض إلا لأحد سببين: إذا مست عقيدته أو انتقصت عزته و كرامته… و تلك حال كل من ذاق حلاوة الدين الذي رضيه الله لعباده و هي حال كل من استلذ طعم الحرية المخضبة بدماء أجداده. 

 هي إذا هذه النفوس الأبية التي استبيحت عقيدتها و أهدرت كرامتها و أهينت إنسانيتها..هي النفوس الأبية التي سقت الأرض من دماء أجساد ضاقت بها فاهتزت الأرض.. و ستربو بعد حين.. هذه هي النفوس التي هبت فزلزلت الأرض زلزالها  فاستحقت احترام الأحرار في كل موطئ قدم و أذعرت كل جبان فارتعشت فرائسه و تقزم..(يتبع)