لماذا ألغيت المقابلة الودية؟

كان من المفترض أن يجري المنتخب الوطني الجزائري مقابلة ودية أمام نظيره التونسي غدا (09-02-2011) تحضيرا للمقابلة الرسمية التي ستجمع الأول بالمنتخب المغربي في إطار التصفيات المؤهلة إلى كأس إفريقيا للأمم المزمع إجراؤها العام المقبل في الغابون و غينيا الاستوائية..لكن المقابلة الودية ألغيت!

يجمع العارفون بفن المستديرة – و غير العارفين – أن المقابلات الودية هي المقياس الذي يعلم من خلاله مدى جاهزية هذا الفريق أو ذاك للمواعيد المهمة, و أنها – بلغة كرة القدم- تكسب اللاعبين دقائق في الأرجل, و أنها السبيل الوحيد لتصحيح الأخطاء الممكن وجودها, و أنه لا بديل عنها لتجريب أكبر عدد من اللا عبين تحسبا لاختيار أمثل للقادرين على الدفاع عن الألوان الوطنية ساعة الجد الكروي. و بالنسبة للفريق الوطني في هذا الظرف بالذات فقد عجز عن إيجاد منافسين و عن إيجاد وقت للمقابلات الودية لأن أغلب لاعبينا محترفون في أندية أوروبية و من الصعب تجميعهم لهذا الغرض, و في ظل هذه المعطيات كان لقاء تونس ضرورة ملحة و أولوية من الدرجة الأولى و لكن…

عندما انطلقت الانتفاضة الشعبية في تونس تفاعل الشعب الجزائري معها و تعاطف مع الشعب التونسي الشقيق و دعى له بالنصر المؤزر, بل تضامن معه من يعيش في الولايات الحدودية بارسال المؤونة و الغذاء لا تفضلا و لكن بداعي أواصر القرابة و المصاهرة و الجوار و الاحترام و الاجلال أيضا, و لم يعد أحد يفكر في مقابلة ودية.. و حتى بعدما انتصر الشعب التونسي على جلاديه فلم يتجرأ الجزائريون على الحديث في الموضوع لأن التونسيين لم تندمل جراحهم بعد و لم تمسح دماء شهداء الحرية من الأرصفة و مقرات الأمن و لم تجف دموع الثكالى و الأرامل و الأيتام. و لكن التونسيين بقوا على عهدهم و لم يتقدموا بطلب بإلغاء المقابلة – و ما كانوا ليلاموا لو فعلوا و ما كان طلبهم ليرد و هم يدركون هذا- بل إن اللاعبين التونسيين – إن لم أقل جميع التونسيين- أحبوا أن يلعبوا المباراة للاحتفال بنصرهم مع إخوانهم و جيرانهم الجزائريين, و قد عبر بعض لاعبي المنتخب التونسي عن هذه النية صراحة و بكل فخر, إلا أن الإلغاء جاء من طرف الاتحادية الجزائرية لكرة القدم بحجة عدم وجود ملعب في الجزائر يصلح لاجراء هذا اللقاء! ياخي تبهديلة… 

الحقيقة هي أن هذه المقابلة الودية ألغيت لحرص السلطات الجزائرية على سلامة ترابها من فيروس نادر التواجد في البلدان العربية و لكنه سريع الانتشار و معروف عن الجزائريين أن جيناتهم لا تقاومه و أن عدواه تنتقل إليهم بسرعة انتقال النار في الهشيم.. أجل, هو فيروس الثورة. كيف يمكن أن نجد تفسيرا غير هذا و المدرب الوطني عبد الحق بن شيخة قال بالحرف الواحد أن اللقاء سيجرى حتى لو أجبرنا على اللعب على أرضية ذات عشب اصطناعي؟..

تجدر الإشارة إلى أن المنتخب التونسي دخل أولى مقابلاته في كأس إفريقيا لللاعبين المحليين و هو يرتدي أقمصة كتب عليها بيت للشابي: ” إذا الشعب يوما أراد الحياة        فلا بد أن يستجيب القدر”… هل أصبحت مكة الثوار تضيق بالثوار و تضيّق عليهم و لا تحمل لهم ودّا؟! لله ذرك يا بلادي.. لله ذرك 

عذرا يا شعب تونس.. و رجاء لا تلومونا بما فعل السفهاء منا و لا تنسونا من دعائكم و اعلموا أخيرا أننا نحفظ لكم أنكم ما أخلفتم وعدكم في أحلك الظروف..

 و دمتم أحرارا

لماذا تغيرون خلق الله…السياسي؟(الجزء الأول)

َ

﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[الذاريات: 49]

يبدو أن عجلة التغيير العربية تحركت أخيرا و أن الوهن الذي أصاب هذه الأمة يترنح على حلبة التاريخ أمام شعوب ضاقت ذرعا بصمتها قبل أن تضيق ذرعا بحكامها الذين تبنوا الاستبداد فأفسدوا البلاد و أذلوا العباد. فبالأمس ولدت تونس من رحم أزمة دامت خمسين عاما و اليوم تمر أم الدنيا بمرحلة مخاض عسيرة و العرب في أروقة الزمن يترقبون بقلق و أمل شكل المولود الجديد, و وزن المولود الجديد…و من ستكون الممرضة التي تتلقف المولود…ثم هل سيرضع من ثدي أمه أم أنه – مثل إخوته – سيرضع حليبا مستوردا لا يسمن و لا يغني من جوع.

هذه الانتفاضة الشعبية العربية التي زلزلت الأرض تحت أقدام اثنين من فراعنة العصر – و يرجى أن تدك صروح الدكتاتورية في باقي البلاد العربية – لم ترق بعد إلى مرتبة الثورة كما يروج أكثر العرب تفاؤلا, فالثورة برنامج واضح الملامح و الأهداف و القيادات, و لكن هذه الهزة رغم ذلك كفيلة بوضع أولى الخطوات و اللبنات التي من شأنها أن تهيئ لتغيير الذهنيات التي غلب عليها الركود و الانهزامية و الأنانية المفرطة, و كلها عوامل أدت إلى فقدان الثقة لا بين الشعب و القيادة فحسب بل بين أفراد الشعب الواحد و بين الشعوب و بين القيادات المتنافسة في فنون إذلال هذه الشعوب و الاغتناء من بيوت مالها, المتبارية في فنون الخنوع للغرب من غير ذرة حياء. فما الذي أدى – و الحالة هذه – إلى هذه الهبة الشعبية؟ و كيف يمكن أن تتطور لتصبح ثورة كاملة النمو؟ 

ما الذي أدى إلى هذه الهزة الشعبية؟ 

لم تكن لقمة العيش الشرارة الأولى لانتفاضة الشعب التونسي  كما يحاول الكثيرون أن يصوروا, فمحمد البوعزيزي – رحمه الله –  لم يقدم على ما أقدم عليه بسبب بطالته, و لا بسبب منعه من بيع بضاعته,  لكن عزة نفسه جعلته يأبى أن تتجرأ شرطية على إهانته, محمد اختار أن يبيد على أن يذل أو يهان, و يا ليت الحكام يدركون, بل ليت العالم أجمع يدرك, كم في تونس الخضراء و في البلاد العربية من محمد!…

محمد المصري
محمد المصري
لا يمكن لأي كان أن يزعم أن العرب عاشوا بلا بطولات, أو أنهم لم يرصعوا تاج تاريخهم بأجمل و أغلى الزمردات و الجواهر التي ظل بريقها ينير درب الرقي منذ بعثة محمد”الأول”  – صلى الله عليه و سلم – و حتى وقت غير بعيد..

محمد الجزائري
محمد الجزائري

لا أحد يمكنه أن يدعي أن مدينة القيروان لم تكن القاعدة التي انطلقت منها الفتوحات الإسلامية نحو أعماق إفريقيا و صوب الأندلس, و لا يجرؤ أحد أن ينكر الدور الاستراتيجي لميناء تونس الذي كان القاعدة التي انطلقت منها السفن إلى صقلية و جنوب إيطاليا حاملة راية التوحيد, و لا يمكن للتاريخ ان يطمس حقيقة أن القيروان كانت عاصمة للعلم و الأدب التي مكنت الدولة الصنهاجية من النهوض بالاقتصاد و فن العمارة و العمران أدت بعد سنين إلى ظهور الوعي الذي مهد لانفصال الدولة الصنهاجية عن الدولة الفاطمية الشيعية و عودتها إلى كنف الدولة العباسية السنية…هذا, و في التاريخ ما يدلنا أن الشعب التونسي كان أحد الحصون المنيعة التي كسرت شوكة النورمان و الصليبيين المتحاملين على البلاد الإسلامية, و أنه قهر الإسبان في معركة تونس الخالدة, و أنه رفض طغيان الأتراك العثمانيين, و أنه صبر و صابر و قاوم محاولات الهيمنة الفرنسية حتى أدرك الاستقلال في 20 مارس 1956 بعد 75 عاما مما يسمى – بغير وجه حق- الحماية الفرنسية. إن هذا الشعب الذي صقلت المحن عزيمته لم يثر و لم ينتفض في كل مرة ثار فيها و انتفض إلا لأحد سببين: إذا مست عقيدته أو انتقصت عزته و كرامته… و تلك حال كل من ذاق حلاوة الدين الذي رضيه الله لعباده و هي حال كل من استلذ طعم الحرية المخضبة بدماء أجداده. 

 هي إذا هذه النفوس الأبية التي استبيحت عقيدتها و أهدرت كرامتها و أهينت إنسانيتها..هي النفوس الأبية التي سقت الأرض من دماء أجساد ضاقت بها فاهتزت الأرض.. و ستربو بعد حين.. هذه هي النفوس التي هبت فزلزلت الأرض زلزالها  فاستحقت احترام الأحرار في كل موطئ قدم و أذعرت كل جبان فارتعشت فرائسه و تقزم..(يتبع)