هل من مكان للتغيير في الجزائر؟ (1)

شهدنا في مدة لا تجاوز ثلاثة أشهر ثلاث حالات من الرفض الشعبي التي شغلت الرأي العام العربي و كشفت هشاشة بعض الأنظمة العربية قبل أن تجردها من شرعيتها و ترسم شرعية جديدة من شأنها أن تغير موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا برمتها. و أبعد الناس عن السياسة و فنها يستطيع ان يدرك بسمعه و بصره أن الحالات الثلاث (تونس, مصر و ليبيا) ليست الوحيدة التي طفت إلى سطح الساحة السياسية العربية و لكنها الحالات الوحيدة – حتى الساعة- التي جردت الأنظمة – أو تكاد- من شرعيتها. حركات في موريتانيا, المغرب, الجزائر, العراق, البحرين, اليمن, لبنان, الأردن و في سلطنة عمان تنادي باصلاحات سياسية و اقتصادية و اجتماعية و تتلقاها الأنظمة بآذان صماء و ردود تتراوح بين استخدام القوة و الافراط في استخدام القوة. بينما شهدنا حركة انفصاالية في جنوب السودان انتهت بالانفصال الفعلي لجنوب البلاد عن شمالها. في الوقت ذاته يعاني الصومال من حرب أهلية لا تخمد و لا تفتر,  و تعاني فلسطين و الصحراء الغربية من الاحتلال بينما لم تصل الأمور – لسبب أو لآخر- إلى حد الانفجار في الدول العربية الأخرى التي تضم السعودية, الكويت, الإمارات العربية المتحدة, قطر, سوريا و جزر القمر. 

المتتبع لهذه الديناميكية الجديدة التي خلقتها الشعوب العربية منذ نهاية 2010 و مع بداية  العام الجديد يلاحظ – من خلال تعامل الاعلام و تفاعل الشارع العربي مع الأوضاع- أن الأنظمة العربية رغم تشابهها في الطرق القمعية و الانبطاح للغرب و الازدراء بالشعوب إلا أنها تختلف في جزئيات (قد تقل أو تكثر) هي جزئيات قد لا تقدرها الشعوب حق قدرها إن هي اندفعت بحماس شبابها فقط, فتخسر أكثر مما تجني من انجازات هي في أمس الحاجة إليها. رأينا في البداية الهزة الشعبية التونسية التي أدت إلى فرار زين  العابدين بن علي و رأينا تعامل قوات الأمن التونسية مع المتظاهرين و رأينا أيضا كيف كان تدخل الجيش حاسما بوقوفه إلى جانب الشعب في التوقيت المناسب للحد من إزهاق الأرواح, و مطمئنا أن الانتقال بتونس إلى مرحلة ما بعد بن علي سيتم على أيد مدنية مؤكدا بذلك على سمة عدم التدخل في شؤون السياسة التي عرف بها. و رأينا بعدها مباشرة الانتفاضة الشبانية في مصر و التي كان تصرف الأمن فيها أشد بشاعة و أشد فتكا مما كان عليه الأمر في تونس, أما الجيش فقد ظل مترددا و وقف “على الحياد” مدة قبل أن يفصل في موقفه و يعترف – على استحياء- بشرعية و مشروعية مطالب الشارع مدفوعا إلى ذلك بذكاء المعتصمين في ميدان التحرير الذين تمكنوا  – عبر ضبط النفس- من إثبات سلميتهم, وتمكنوا – عبر احترام الجيش و الالتحام به – من استمالته و حتى استعطاف أفراده ظباطا و جنودا. أما في ليبيا فإن الشارع قد اصطدم بواقع مختلف و بسياسي “محنك” يعرف خبايا السياسة الدولية و يجيد المناورة و اللعب على أوتار الخبث السياسي فارتكبت كتائبه و مرتزقته أبشع الجرائم التي تصنف “ضد الإنسانية” و مازال متمسكا بالسلطة إلى حد كتابة هذه السطور, بينما يقف قسم من الجيش الليبي مع الشعب الثائر و يقف القسم الآخر مع “القائد” ( قد يكون مرغما على ذلك و يمكن أن يظهر موقفه الحقيقي إذا تم فرض الحضر الجوي). لكن ما يميز هذا الجيش هو تهميش في المجال السياسي و رداءة في التدريب العسكري و قلة في العتاد الحربي, لذلك فإن الموقف المشرف أخلاقيا للقسم الملتحم بالشعب لم يرق لدرجة الحسم ميدانيا. و لست هنا بصدد التفصيل في تحليل كل من هذه الأحداث و لكن ما تجدر الإشارة إليه هو أن الواجهة السياسية لكل من هذه الأنظمة و التي يمثلها أشخاص الرؤساء هي التي تمسك بزمام السلطة فعليا ( و لو أنها في الواقع تخضع لإملاءات الغرب) أما في الجزائر فالأمر يختلف اختلافا جليا.

لا يخفى على أي جزائري أن السلطة و القرار بيد الجيش وحده لا يقاسمه فيهما أحد حتى إن كان رئيس الجمهورية نفسه, و الكل يتذكر أن بوتفليقة صرح مباشرة بعد وصوله إلى سدة الحكم أنه لن يقبل بأن يكون ثلاثة أرباع رئيس بل سيسعى إلى أن يكون رئيسا كاملا, تصريح كهذا كان لزاما أن يثير حفيظة المتسيدين على البلاد منذ انقلاب جانفي 1992 الذين هبوا هبة رجل واحد للوقوف في وجه الإرادة الشعبية و حولوا البلاد إلى مرتع للجريمة المنظمة و الإرهاب الممنهج فاستطاعوا أن يحكموا قبضتهم على السياسة و الاقتصاد و الأمن بعد أن أزاحوا طبقة المثقفين الوطنيين عن كل الميادين (العسكرية و السياسية و الاقتصادية و غيرها). و لا يخفى على أحد في الجزائر أن هذه الزمرة التي عاثت فسادا في الأرض تتكون من قدماء الجيش الفرنسي الذين اندسوا في صفوف جيش التحرير الوطني قبيل الاستقلال ليضمنوا لفرنسا – التي مازالوا يوالونها على حساب مصالح الجزائر و شعبها – البقاء. كما لا يخفى أن هذه الزمرة هي ذاتها التي تعين الرؤساء بجرة قلم و تزيحهم بالطريقة التي تراها أنسب, فالتغيير أو الاستقرار لا يخضعان في الجزائر إلا لأهواء هؤلاء الذين يظنون أنهم يملكون القوة.. كل القوة, خاصة بعد أن تمكنوا من الوصول إلى أشد الوسائل فتكا بالشعوب و هي زرع الخوف و الجبن في نفوس الشباب و تنفيرهم من مجال السياسة و أمور الحكم و تحييدهم عنها فكرا و عملا, لتحويلهم بعد ذلك إلى شتات, في تطبيق “عبقري” لسياسة ” فرق تسد” التي تعلموها من الاستعمار و طوروها – خدمة لأغراضه – حتى انبهر الاستعمار ذاته بحلتها الجديدة.

يعتبر عام 1992 نقطة تحول محورية في التاريخ السياسي الجزائري, و ما جعله عاما استثنائيا هو كونه العام الذي تم إجهاض التجربة الديمقراطية الجزائرية خلال شهوره الأولى, فبعد انتفاضة 5 أكتوبر 1988 الشعبية عرفت الجزائر تغير ثلاثة معطيات أساسية: أولا, انفتحت الساحة السياسية انفتاحا أدخل البلاد صرح التعددية السياسية و وضعها على سكة الديمقراطية التي حادت عنها منذ الأيام الأولى للاستقلال, معلنا بذلك نهاية نظام الحزب الواحد الذي ظل سائدا لمدة ست و عشرين سنة. ثانيا, عرفت الساحة الاقتصادية انعطافا كبيرا تمثل في الانتقال بالبلاد من نظام الاقتصاد الموجه إلى نظام السوق الحرة, و لم يكن هذا التحول اختيارا حرا تبناه صناع القرار في الجزائر بقدر ما كان ضرورة فرضتها التغيرات التي طرأت على معطيات السياسة و العلاقات الدولية و أبرزها انهيار قلعة المعسكر الشرقي (الاتحاد السوفييتي). أما التغير الثالث فقد كان ذا طابع نفسي و تمثل في فقدان الثقة بين الشعب و الجيش و اتساع شرخ كان إلى حد تاريخ 5\10\1988 محصورا بين الجيش و نخبة مثقفة ضئيلة العدد و هي النخبة التي ظلت تعاني من القمع العسكري في صمت غذته طبيعة النظام.